الاقتصاد اللبناني في 2026… انتعاشٌ هشّ يعود إلى نقطة الصفر؟ بين الانكماش، أزمة المصارف وفرص الإنقاذ

لم يكن الاقتصاد اللبناني قد خرج فعلياً من أزمته عندما تلقّى ضربة جديدة أعادت المشهد الاقتصادي إلى دائرة القلق. فبعد مؤشرات أولية على استقرار نسبي وتحسّن النشاط الاقتصادي خلال عام 2025، جاءت التطورات الأمنية والتوترات الإقليمية في عام 2026 لتعيد الضغط على القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وتضع الدولة أمام تحديات مالية واجتماعية أكثر تعقيداً.
وبحسب أحدث تقرير للبنك الدولي، يتجه الاقتصاد اللبناني إلى انكماش بنحو 6.4% خلال عام 2026 ، بعدما كان قد حقق نمواً حقيقياً قُدّر بنحو 4.2% في 2025. وهذا يعني عملياً أن الانتعاش الذي بدأ يظهر العام الماضي لم يتحول بعد إلى مسار تعافٍ مستدام، بل بقي شديد الحساسية أمام الصدمات الأمنية والسياسية والمالية.
السياحة… القطاع الأسرع تأثراً
تُعد السياحة أحد أبرز محركات الاقتصاد اللبناني، نظراً إلى ارتباطها المباشر بالمطاعم والفنادق والنقل والتجارة والخدمات والعقارات.
لكن تجدد الصراع واضطراب حركة الطيران والسفر أدّيا إلى ضربة قوية لهذا القطاع، في وقت كان لبنان يعوّل فيه على المغتربين والسياح العرب والأجانب لتنشيط الدورة الاقتصادية.
المشكلة لا تتوقف عند خسارة الفنادق والمطاعم لموسم سياحي، بل تمتد إلى سلسلة اقتصادية واسعة: انخفاض الإنفاق، تراجع الطلب على الخدمات، ضعف الحركة التجارية، وانخفاض الإيرادات الضريبية المرتبطة بالنشاط السياحي.
وهنا تظهر هشاشة النموذج الاقتصادي اللبناني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والتحويلات والسياحة والخدمات، بدلاً من اقتصاد إنتاجي متنوع قادر على امتصاص الصدمات.
التضخم يعود إلى الواجهة
حتى مع تحسن نسبي في استقرار سعر الصرف، لا يمكن اعتبار الأزمة النقدية قد انتهت.
فالبنك الدولي يتوقع ارتفاع التضخم إلى نحو 17.5% خلال 2026، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والطاقة والنقل، إضافة إلى تداعيات التطورات الأمنية.
وهذا يعني أن المواطن قد يواجه واقعاً أكثر تعقيداً: استقرار نسبي في سعر الصرف لا يعني بالضرورة استقرار القدرة الشرائية.
فالمعيار الحقيقي للتعافي ليس سعر الدولار وحده، بل قدرة المواطن على دفع كلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والطبابة والاتصالات والطاقة من دخله الشهري.
المالية العامة أمام اختبار صعب
شهدت المالية العامة تحسناً ملحوظاً خلال 2025، إذ سجلت الدولة فائضاً إجمالياً على أساس نقدي، مدفوعة بتحسن الإيرادات وارتفاع التحصيل الضريبي والجمركي.
لكن عام 2026 يفرض معادلة مختلفة.
فالحرب وتداعياتها ترفع الحاجة إلى الإنفاق على الإغاثة وإعادة الإعمار والبنى التحتية والخدمات العامة، في وقت قد تتراجع فيه الإيرادات نتيجة ضعف النشاط الاقتصادي.
وهنا يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن للدولة أن تموّل الإنفاق الإضافي من دون العودة إلى العجز والاقتراض غير المستدام؟
إن أي موازنة جديدة لن تكون مجرد جدول أرقام، بل ستكون اختباراً لقدرة الدولة على تحقيق توازن بين ضبط المالية العامة وحماية الفئات الأكثر تضرراً.
أزمة المصارف… العقدة الأكبر
ربما يبقى الملف المصرفي والودائع من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد اللبناني.
فلبنان لا يستطيع بناء تعافٍ اقتصادي حقيقي من دون إعادة بناء قطاع مصرفي قادر على تمويل الاقتصاد واستعادة الثقة.
صندوق النقد الدولي شدد خلال مباحثاته مع السلطات اللبنانية في شباط 2026 على ضرورة تنفيذ استراتيجية متكاملة لإعادة هيكلة المصارف، وعلى أهمية أن تكون أي معالجة للخسائر متوافقة مع الاستدامة المالية وحماية حقوق المودعين ضمن تسلسل واضح لتحمل الخسائر.
وهذا الملف لا يتعلق بالمصارف وحدها؛ فغياب الائتمان المصرفي يضعف قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع، ويحدّ من قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على خلق فرص العمل.
بمعنى آخر، لا يمكن أن يعود الاقتصاد إلى النمو الطبيعي فيما النظام المالي عاجز عن أداء دوره الأساسي.
الإصلاحات… من شرط دولي إلى حاجة لبنانية
الحديث عن الإصلاحات لم يعد ترفاً سياسياً أو مطلباً للمؤسسات الدولية فقط.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إصلاح المالية العامة، تحسين إدارة المؤسسات العامة، تطوير النظام الضريبي، معالجة قطاع الكهرباء، تحديث الإدارة، وتعزيز الحوكمة والشفافية، كلها أصبحت شروطاً أساسية لإعادة إطلاق الاقتصاد.
والأهم أن لبنان يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يقوم على إدارة الأزمات إلى اقتصاد يقوم على التخطيط والاستثمار والإنتاج.
المرافئ والبنى التحتية… فرصة وسط الأزمة
في المقابل، لا تخلو الصورة من نقاط مضيئة.
يمتلك لبنان موقعاً جغرافياً يسمح له بأن يكون مركزاً للخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية، خصوصاً إذا جرى تطوير المرافئ والبنية التحتية وربطها بشبكات النقل والتجارة في المنطقة.
وتكتسب مشاريع تطوير مرفأ بيروت أهمية خاصة في هذا السياق، لأن إعادة تفعيل دوره لا تعني فقط زيادة حركة الحاويات، بل يمكن أن تخلق فرصاً في النقل والتخزين والتأمين والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتجارة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو فعلي يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني وإطار قانوني واضح واستثمارات طويلة الأجل.
الاتصالات… كلفة إضافية على المواطن والاقتصاد
قطاع الاتصالات بدوره يعكس التحدي المعيشي الذي يواجهه اللبناني.
فالاتصالات والإنترنت لم تعد من الكماليات، بل أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للعمل والتعليم والتجارة والإعلام والخدمات الرقمية.
ومن هنا، فإن أي ارتفاع في كلفة الاتصالات أو بطاقات التعبئة ينعكس مباشرة على ميزانية الأسر وعلى قدرة أصحاب الأعمال الصغيرة والعاملين في الاقتصاد الرقمي على الاستمرار.
وهذا يجعل سياسة التسعير في قطاع الاتصالات مسألة اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة المعيشة.
فهل يستطيع لبنان تحويل عام 2027 إلى سنة إعادة إطلاق اقتصادي؟
الجواب مرتبط بثلاثة عوامل أساسية:
أولاً، الاستقرار الأمني والسياسي.
ثانياً، تنفيذ الإصلاحات المالية والمصرفية المطلوبة بدلاً من الاكتفاء بإقرار القوانين.
وثالثاً، القدرة على جذب التمويل والاستثمارات لإعادة الإعمار وتحريك القطاعات الإنتاجية.
وقد قدّرت مجموعة البنك الدولي سابقاً احتياجات لبنان للتعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار ، مع حاجة كبيرة إلى تمويل خاص، خصوصاً في قطاعات الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة.
الخلاصة: لبنان أمام مفترق اقتصادي
الاقتصاد اللبناني في 2026 لا يواجه أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات مترابطة: أمنية، مالية، مصرفية، اجتماعية وإنتاجية.
والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نسبة الانكماش المتوقعة، بل في أن يتحول الانكماش المؤقت إلى فقدان جديد للقدرة الإنتاجية، وهجرة للكفاءات، وتراجع للاستثمار، وتآكل إضافي للطبقة الوسطى.
لكن في المقابل، لا يزال لبنان يمتلك عناصر قوة مهمة: قطاع خاص مرن، طاقات بشرية، اغتراب واسع، موقع جغرافي مميز، قطاعات سياحية وخدماتية قابلة للنمو، وإمكانات كبيرة في اللوجستيات والاقتصاد الرقمي.
المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة الأزمة، بل بناء استراتيجية للخروج منها.
فإذا تمكن لبنان من الجمع بين الاستقرار والإصلاح وإعادة هيكلة القطاع المالي واستقطاب الاستثمارات، يمكن أن تتحول مرحلة الانكماش إلى نقطة انطلاق جديدة.
أما إذا استمرت الإصلاحات المؤجلة والأزمات المتكررة، فقد يبقى الاقتصاد يدور في الحلقة نفسها: تعافٍ هشّ، صدمة جديدة، انكماش، ثم انتظار انتعاش جديد.
بقلم سامي مبارك




