باسمة بطولي… رحيل شاعرةٍ وأديبة وريشةٍ مبدعة، وغياب قامةٍ ثقافية تركت بصمتها في الشعر والفن التشكيلي والأدب

برحيلها تخسر الثقافة اللبنانية صوتًا شعريًا رقيقًا، وتفقد الألوان ريشةً جعلت من اللوحة قصيدةً ومن الكلمة مساحةً للجمال
في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، غيّب الموت الشاعرة والفنانة التشكيلية اللبنانية باسمة توفيق الباطولي، المعروفة باسم باسمة بطولي ، بعد مسيرة ثقافية وفنية حافلة بالعطاء والإبداع، تاركةً وراءها إرثًا أدبيًا وفنيًا يعكس تجربةً إنسانية وجمالية جمعت بين رهافة الشعر وسحر الألوان وعمق التعبير.
برحيلها، لا تفقد الساحة الثقافية اللبنانية شاعرةً ورسامةً فحسب، بل تودّع شخصيةً آمنت بأن الفن لغةٌ تتجاوز حدود الكلمات، وأن الإبداع الحقيقي قادر على أن يمنح المشاعر شكلًا، والأفكار حياةً، والذكريات أثرًا لا تمحوه الأيام.
وقد نعتها وزارة الثقافة اللبنانية، مشيدةً بتجربتها التي جمعت بين الكلمة المشرقة والفن التشكيلي، وبما تركته من نتاج شعري ولوحات زيتية ومائية ومشاركات في معارض فنية داخل لبنان وخارجه.
من بيروت… حكاية امرأةٍ تربّت في حضرة الأدب والفن
وُلدت باسمة بطولي في بيروت، في بيئةٍ ثقافية وفنية أسهمت في تشكيل وجدانها وصقل موهبتها؛ فهي ابنة الكاتب توفيق الباطولي والرسامة ليندا قازان الباطولي، وقد وجدت في هذا المناخ مساحةً مبكرة للتعرّف إلى عالم الكلمة والصورة، قبل أن تمضي في بناء تجربتها الخاصة.
تلقت تعليمها في دار المعلمين والمعلمات في لبنان، ونالت إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، كما حصلت على دبلوم في الصحافة من مصر. وقد منحتها هذه المسيرة العلمية خلفيةً لغوية وثقافية وإعلامية انعكست على تنوّع اهتماماتها وتعدد مجالات عملها.
لم تكن الثقافة بالنسبة إليها ترفًا أو نشاطًا عابرًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من هويتها، ووسيلةً للتعبير عن رؤيتها للحياة والإنسان والجمال.
مسيرة مهنية جمعت التربية والإعلام والإبداع
عملت باسمة بطولي في وزارة التربية الوطنية اللبنانية، كما ارتبط اسمها بتلفزيون لبنان، حيث عملت في المجال الثقافي والإعلامي وأعدّت وقدّمت برامج ثقافية، إلى جانب مشاركتها في الأمسيات والمهرجانات الشعرية واللقاءات الفكرية.
وقد مثّلت تجربتها نموذجًا للمثقفة التي لا تحصر نفسها في مجال واحد، بل تنتقل بين الكتابة والإعلام والفنون التشكيلية، مؤمنةً بأن المعرفة تتكامل، وأن الثقافة الحقيقية لا تعرف الحدود الفاصلة بين أشكال التعبير المختلفة.
ومن خلال هذا الحضور المتعدد، ساهمت في إثراء المشهد الثقافي، وكرّست وقتها للإبداع والتواصل مع جمهور الشعر والفن، محافظةً على علاقة وثيقة باللغة العربية وجمالياتها.
في الشعر… قصيدة تنبض بالعاطفة وتحتفظ بأصالة اللغة
شكّل الشعر ركنًا أساسيًا في تجربة باسمة بطولي، وبرزت في أعمالها عنايةٌ باللغة والإيقاع والصورة الشعرية، إلى جانب حضور الوجدان والتأمل والحنين، وهي عناصر منحت تجربتها خصوصيتها ضمن المشهد الأدبي اللبناني.
وكتبت الشعر العمودي وشعر التفعيلة، وشاركت في أمسيات ومهرجانات شعرية، وقدّمت عبر مجموعاتها المتعاقبة عوالم تعكس اهتمامها بالعاطفة والإنسان والوقت والذاكرة، مع حرصها على بناء الصورة الشعرية وإبراز طاقة اللغة على التعبير.
ومن أبرز مؤلفاتها الشعرية والفنية:
«مع الحب حتى الموت» – 1978: من مجموعاتها الشعرية المبكرة.
«مكلّلة بالشوق» – 1996: عنوان يحمل دلالات وجدانية تتصل بالشوق والعاطفة.
«عربات الصدى» – 2009: من المحطات البارزة في مسيرتها الشعرية.
«حين ترتدي النار عريها» – 2012: عمل يعكس نزعتها إلى الصورة الشعرية المكثفة.
«أصداء بصرية» – 2013: إصدار يجمع عالمها التشكيلي برؤيتها الجمالية.
«سلالي ومياه الوقت» – 2016: من أعمالها التي تثري سجلها الإبداعي.
«على مقام الصِّبا والصَّبا» – 2017: عنوان يزاوج بين الإيحاء الموسيقي والدلالة الشعرية.
«شُبّاكي الوجيع» – 2022: من العناوين اللاحقة في مسيرتها.
وتكشف هذه الأعمال عن تجربة امتدت على عقود، حافظت خلالها على حضورها الثقافي، وراكمت إنتاجًا يستحق القراءة والتأمل وإعادة الاكتشاف.
في الفن التشكيلي… حين تتحوّل الألوان إلى لغة
لم يكن الرسم بالنسبة إلى باسمة بطولي هوايةً موازية للشعر، بل كان عالمًا إبداعيًا مستقلًا ومتكاملًا معه. فقد أنجزت مئات اللوحات الزيتية والمائية، وشاركت في معارض فردية وجماعية، وقدّمت أعمالًا تستكشف العلاقة بين اللون والطبيعة والذاكرة والمشاعر الإنسانية.
وفي تجربتها، لم يكن الفصل بين القصيدة واللوحة أمرًا سهلًا؛ فالكلمة لديها تمتلك صورةً بصرية، واللون يحمل إحساسًا شعريًا، وكأن كلًّا منهما يكمّل الآخر في رحلة البحث عن الجمال والمعنى.
وقد تجلّت هذه العلاقة بوضوح في كتابها «أصداء بصرية»، الذي جمع مجموعةً من أعمالها التشكيلية، وأضاء على خصوصية تجربتها القائمة على التفاعل بين الشعر والرسم.
إن أهمية هذه التجربة تكمن في قدرتها على تجاوز حدود الشكل الفني التقليدي؛ فاللوحة ليست مجرد مساحة للألوان، والقصيدة ليست مجرد كلمات موزونة، بل هما وسيلتان للتعبير عن رؤية واحدة تتعدد لغاتها وتلتقي في الإحساس والجمال.
تكريمات تقديرًا لمسيرة إبداعية
حظيت باسمة بطولي بتقدير ثقافي ورسمي خلال مسيرتها، ومن أبرز محطات التكريم التي ارتبطت باسمها:
تكريم من مؤسسة ناجي نعمان عام 2014 تقديرًا لعطائها الإبداعي.
جائزة الأديب جان سالمه عام 2020 عن مجمل إنجازاتها الفكرية والفنية في الشعر والرسم.
وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط عام 2022، تقديرًا لمسيرتها الإبداعية في الشعر والفن التشكيلي.
وتعكس هذه المحطات مكانةً اكتسبتها من خلال سنوات من العمل والإنتاج والمشاركة الثقافية، كما تؤكد أهمية الاعتراف بالمبدعين الذين يرفدون الحياة الثقافية بأعمال تتجاوز زمن إنتاجها.
باسمة بطولي وباسم كريستو… رابط العائلة وامتداد الفن
إلى جانب حضورها الأدبي والفني، عُرفت باسمة بطولي بأنها والدة المخرج اللبناني المعروف باسم كريستو، الذي حقق حضورًا بارزًا في مجال الإخراج التلفزيوني والفني.
وبرحيلها، تتجه مشاعر التعاطف والمواساة إلى ابنها وعائلتها ومحبيها، في لحظة إنسانية تختلط فيها مرارة الفقد بذكريات العمر وبما تتركه الأم من محبة وأثر لا يغيب.
ورغم أن لكل فنان مساره وهويته، فإن وجود الشعر والفن في حياة باسمة بطولي يضيء جانبًا من البيئة الثقافية التي احتضنت تجربتها، ويذكّر بأن الإبداع إرثٌ من القيم والذائقة والخيال، ينتقل أثره عبر الأجيال، من دون أن يفقد خصوصية صاحبه.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
إن رحيل باسمة بطولي يفتح بابًا للتأمل في قيمة المبدعين الذين يعملون بعيدًا عن ضجيج اللحظة، ويتركون وراءهم كتبًا ولوحات وتجارب تستحق أن تبقى حاضرةً في الذاكرة العامة.
فالأوطان لا تُقاس ثرواتها بما تمتلكه من موارد فحسب، بل أيضًا بما تحتضنه من شعراء وفنانين ومثقفين، وبقدرتها على حفظ نتاجهم وتقديمه إلى الأجيال الجديدة.
ومن هنا، فإن الوفاء لمسيرة باسمة بطولي لا يكتمل بكلمات النعي وحدها، بل يتطلب إعادة تسليط الضوء على دواوينها، والتعريف بلوحاتها، وإتاحة الفرصة أمام القراء والباحثين لاكتشاف تجربتها، بوصفها جزءًا من الذاكرة الأدبية والفنية اللبنانية.
لقد رحلت باسمة بطولي، لكن الكلمة التي كتبتها لا تزال قابلةً لأن تُقرأ، واللوحة التي رسمتها لا تزال قادرةً على أن تستعيد لحظةً من الجمال، وأن تمنح المتأمل مساحةً للتأويل والإحساس.
رحم الله باسمة بطولي، الشاعرة والرسامة التي جمعت بين نبض الحرف وسحر اللون، وأسكنها فسيح جناته.
وباسمي، أتقدّم بأحرّ التعازي وصادق المواساة إلى ابنها المخرج باسم كريستو، وإلى عائلتها وأقاربها ومحبيها، وإلى الأسرة الثقافية والفنية اللبنانية، سائلًا الله أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن تبقى أعمال الراحلة حاضرةً في الذاكرة، شاهدةً على مسيرةٍ آمنت بالجمال وجعلت من الإبداع رسالةً للحياة.
كتب سامي مبارك





