الهميم الماحي إبراهيم.. رحلة تشكيلية تتحوّل فيها الألوان إلى حكايات عربية من السودان للعالم

من شرق السودان، وتحديدًا من قرية قريب بولاية القضارف، انطلقت تجربة الفنان التشكيلي الهميم الماحي إبراهيم، الذي اتخذ من اللون مساحةً للتعبير عن الهوية السودانية وثراء الموروث الثقافي والإنساني. بأسلوب يميل إلى التجريد، ومزج الماحي بين ملامح الإنسان السوداني وتفاصيل الطبيعة والرموز الشعبية والصوفية، ليحوّل لوحاته إلى حكايات بصرية تنبض بالذاكرة والانتماء.
ومن خلال تجارب فنية ومعارض لافتة، من بينها «طبقات من الجنوب» و«أمومة»، يواصل الماحي البحث عن لغة تشكيلية خاصة تعكس رؤيته للسودان، أرضًا وإنسانًا وثقافةً.
وكان لنا هذا اللقاء
السؤال الأول: وُلدتَ في قرية قريب بولاية القضارف شرق السودان، كيف أثّرت النشأة في هذه البيئة في تكوينك الفني والإنساني؟
الماحي إبراهيم: نشأتي في شرق السودان جزء أساسي من هويتي، فالبيئة التي عشت فيها بما تحمله من تفاصيل إنسانية وثقافية وطبيعية تركت أثرًا في رؤيتي الفنية. الإنسان السوداني، وعاداته وتقاليده، وارتباطه بالأرض والذاكرة، كلها عناصر أجد صداها في أعمالي. بالنسبة إليّ، الفن ليس مجرد ألوان على قماش، بل وسيلة للتعبير عن المكان الذي أنتمي إليه والناس الذين يشكّلون جزءًا من وجداني.
السؤال الثاني: كيف بدأت رحلتك مع الفن التشكيلي، ومتى شعرت بأن الرسم أصبح أكثر من مجرد موهبة؟
الماحي إبراهيم: بدأت علاقتي بالرسم في مرحلة مبكرة، ومع الوقت اكتشفت أن الفن يمنحني مساحة للتعبير عن أفكار ومشاعر يصعب أحيانًا وصفها بالكلمات. شكّل تدريبي الفني في معهد قصر الشباب والأطفال عام 2009 محطة مهمة في مسيرتي، ثم جاءت مشاركاتي في الورش والمعارض الجماعية منذ عام 2010 لتمنحني فرصة الاحتكاك بتجارب فنية مختلفة وتطوير أدواتي. ومع كل تجربة، ازداد إيماني بأن الفن بالنسبة إليّ طريق مستمر للاكتشاف والتجريب.
السؤال الثالث: تميل في أعمالك إلى المدرسة التجريدية، مع حضور واضح للهوية السودانية. كيف توازن بين التجريد والحفاظ على ملامح البيئة والثقافة المحلية؟
الماحي إبراهيم: أرى أن التجريد يمنح الفنان حرية واسعة في التعبير، فلا أتعامل مع اللوحة باعتبارها نقلًا حرفيًا للواقع، بل أحاول استحضار روحه ومشاعره ورموزه. قد تظهر الهوية السودانية في لون أو وجه أو حركة أو إشارة مستوحاة من الحياة اليومية، من دون أن تكون التفاصيل واقعية بصورة مباشرة. ما يهمني هو أن تحمل اللوحة إحساسًا بالمكان والإنسان، وأن تترك للمتلقي فرصة التأويل واكتشاف معانيها الخاصة.
السؤال الرابع: في معرض «طبقات من الجنوب» الذي أُقيم في القاهرة عام 2022، حضرت موضوعات التنوع القبلي والثقافي السوداني. ماذا أردت أن تقول من خلال هذه التجربة؟
الماحي إبراهيم: كان التنوع الثقافي السوداني مصدر إلهام أساسيًا في هذه التجربة، فالسودان غني بتعدد جماعاته وتقاليده وطرائق تعبيره عن الحياة. أردت أن أقدّم هذا التنوع من خلال لغة بصرية تبتعد عن التصنيف المباشر، وتقترب من الإنسان بما يحمله من ذاكرة وانتماء وتجارب. بالنسبة إليّ، الاختلاف ليس مسافة تفصل بين الناس، بل مساحة تثري الثقافة وتمنح الفن إمكانات أكبر للتعبير والحوار.
السؤال الخامس: حمل معرضك «أمومة» في القاهرة عام 2026 دلالات تتجاوز العلاقة بين الأم وطفلها، مع حضور رموز روحية وصوفية. كيف تبلورت فكرة المعرض؟
الماحي إبراهيم: الأمومة بالنسبة إليّ مفهوم واسع يتجاوز حدود العلاقة الأسرية، فهي ترتبط بالاحتضان والأمان والجذور والانتماء. ويمكن أن تتخذ صورة الأم، في بعدها الرمزي، معنى الوطن الذي يحتضن أبناءه، أو الذاكرة التي تمنح الإنسان شعوره بالاستمرار. أما الرموز الروحية والصوفية، فهي تفتح مجالًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان وذاته ومحيطه. حاولت من خلال هذه التجربة أن أترك للون والشكل مساحة للتعبير عن هذه المعاني بعيدًا عن الشرح المباشر.
السؤال السادس: ما طموحاتك المقبلة، وكيف تتمنى أن تصل تجربتك الفنية إلى الجمهور العربي والعالمي؟
الماحي إبراهيم: أطمح إلى مواصلة تطوير تجربتي والبحث عن أساليب جديدة تمنح أعمالي عمقًا وتنوعًا أكبر، مع الحفاظ على ارتباطها بالهوية والذاكرة السودانية. كما أتطلع إلى المشاركة في معارض وفعاليات فنية تتيح لي الحوار مع تجارب مختلفة، لأن الفن لغة قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. وأتمنى أن يرى الجمهور في أعمالي السودان بتنوعه وغناه الإنساني، وأن تكون لوحاتي مدخلًا للتعرّف إلى ثقافته وطرح أسئلة حول الإنسان والمكان والانتماء.
يؤكد الفنان التشكيلي الهميم الماحي إبراهيم أن اللوحة يمكن أن تكون مساحةً لحفظ الذاكرة واستكشاف الهوية والتعبير عن الإنسان بعيدًا عن حدود الصورة التقليدية. ومن شرق السودان إلى فضاءات العرض في القاهرة، يواصل بناء تجربته الفنية مستلهمًا غنى الثقافة السودانية وتعدد رموزها، في رحلة إبداعية يسعى من خلالها إلى تقديم لغة بصرية تحمل خصوصية المكان وتنفتح في الوقت نفسه على العالم.
اجرى الحوار سامي مبارك







