
بيروت 11 أيلول/ سبتمب 2026
أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت بالتعاون مع “مجموعة إيبلا البحثية”، دراسة موسعة بعنوان “نحو طاقة تشاركية في لبنان: نماذج عالمية من أجل رؤى محلية لقطاع الكهرباء”، وذلك خلال جلسة حوارية بعنوان “الطاقة التشاركية في لبنان: نحو نظام تعاوني وأكثر عدالة لقطاع الكهرباء”، ضمن فعاليات “أسبوع بيروت للطاقة 2026” في فندق فينيسيا انتركونتيننتال، بيروت. وقد سلّطت الدراسة الضوء على واقع قطاع الطاقة الكهربائية في لبنان والتحديات البنيوية التي يواجهها، متناولة إمكانيات التحوّل نحو نماذج “الطاقة التشاركية والمجتمعية” بوصفها أبرز المسارات الممكنة لتحقيق العدالة الطاقوية وتجاوز حالة التشظي والأزمات الهيكلية المزمنة، عبر الاستفادة من التجارب الدولية في بلورة مقاربات تتلاءم مع السياق الوطني.
تأتي هذه الدراسة في وقت يشهد لبنان “طفرة في استخدام الطاقة الشمسية لانتاج الكهرباء” غير مسبوقة، مدفوعة بتمويل ذاتي من الأسر والشركات، إلى جانب دعم جهات مانحة دولية ركّزت على تزويد المرافق العامّة والبلديات بالطاقة الشمسية. غير أن هذه الطفرة، وفق الدراسة، تتسم بتفاوتات حادة، إذ تؤمّن الأسر الميسورة احتياجاتها بينما تبقى المجتمعات الفقيرة رهينة مولدات الديزل أو العتمة، ما يُهدّد بتكريس طبقة جديدة من الهيمنة على السوق وتعميق التفاوت في الوصول إلى الطاقة.
صنّفت الدراسة النماذج العالمية للطاقة التشاركية ضمن ست فئات رئيسية، تتفاوت في مستويات المشاركة والملكية، من مبادرات سكانية صغيرة على مستوى المباني، إلى تعاونيات كبيرة متطورة تؤدي دور المرافق العامّة في أميركا اللاتينية، وصولًا إلى نماذج تمويل جماعي يغلب عليها الطابع المالي على حساب البعد الديمقراطي.
أما على صعيد لبنان، فرصدت الدراسة ثلاثة نماذج رئيسية ناشئة، هي: أولًا المبادرات البلدية، حيث أقامت البلديات شراكات مع جهات مانحة ومغتربين لتمويل مشاريع طاقة شمسية، لكن هذه المشاركة غالبًا ما اقتصرت على الأسر القادرة على تحمّل التكاليف، ما أعاد إنتاج أوجه عدم المساواة
ثانيًا مبادرات الأحياء – لا سيما في منطقة الميناء في طرابلس – حيث تجمّعت نحو 90 أسرة في مجموعات صغيرة لتقاسم استخدام أجهزة تحويل الطاقة ومساحات الأسطح، واتخذت أشكالًا من التعاون والتكافل المتبادل، لكنها تفتقر إلى بنى حوكمة تشاركية راسخة
وثالثًا النموذج القائم على المباني، كما في أحد مباني شارع الحمرا في بيروت، حيث تولت لجنة منتخبة إدارة المبنى تطبيق نظام لتقاسم تكاليف البنى التحتية، واعتمدت آليات تصويت وتوثيق وشفافية في التعاقد مع الموردين، مقتربة بذلك من مبادئ التعاونيات، لكن بقيت هذه التجربة محصورة في مجتمع صغير ومتجانس ينتمي إلى الطبقة الوسطى العليا.
كما سجلت الدراسة طفرة لافتة في اعتماد الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مُوِّل الجزء الأكبر منها عبر مبادرات فردية أو بدعم من المغتربين والجهات المانحة الدولية. وقد أدى هذا التوسع السريع إلى حدوث قفزة في حصة الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء من 2 في المئة في العام 2021 إلى 15 في المئة في العام 2023، لتبلغ حصة مصادر الطاقة المتجددة نحو 20 في المئة إجمالًا. لكن الدراسة حذرت من أن هذا المسار اللامركزي الفردي، على الرغم من إسهامه في تأمين الكهرباء، قد يكرس تفاوتات حادة.
أما على الصعيد التشريعي، فلفتت الدراسة إلى أن الأطر القانونية موجودة، لكن تطبيقها يتسم بالانتقائية؛ فالقانون الرقم 462/2002 المتعلق بإعادة هيكلة القطاع وإنشاء هيئة ناظمة تأخّر تنفيذه عقودًا من الزمن، ولم يُعيَّن أعضاء الهيئة إلا في أواخر عام 2025.
كما أن قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزّعة الصادر في نهاية عام 2023 يُعدّ خطوة إيجابية تدعم مشاريع الطاقة الصغيرة والتبادل المباشر والقياس الصافي، لكن غياب اللوائح التنفيذية المكتملة والمعوّقات التقنية يحدّان، بحسب الدراسة، من الاستفادة الكاملة من إمكاناته
لذا دعت الدراسة إلى إعادة النظر في الأطر التشريعية، لا سيما قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة الرقم 318/2023، ليشمل المبادئ التعاونية والحوكمة الديمقراطية، ودراسة قوانين إنشاء التعاونيات وإدارة الملكية المشتركة في المباني، بما يسهّل إنشاء جماعات الطاقة التشاركية (collaborative energy communities) العادلة والشاملة، تتجاوز كونها حلولًا عملية لتأمين الكهرباء إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود والتحرر من الزبونية السياسية.
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات المحلية، فقد طرحت الدراسة تساؤلات عدة تتعلق باستدامتها وعدالتها، ومنها: هل ستتحول هذه التجارب إلى نماذج لامركزية أكثر شمولًا، أم إنها ستبقى مبادرات محلية محدودة ومتفاوتة؟ وهل يمكن هذه الجماعات أن تصمد أمام اختبارات الصيانة والتوسع والتمويل، أم إنها ستُكرس التفاوت في الوصول إلى الكهرباء؟
وتؤكد الدراسة أن هذه الترتيبات لا تشكّل بديلًا من نظام وطني، لكنها تبيّن كيف تتبلور حوكمة الطاقة التشاركية، وتكشف في الوقت نفسه، عن مواطن الحاجة إلى الدعم القانوني والمالي والتنظيمي.
وتخلص الدراسة إلى أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي لتحقيق العدالة في مجال الطاقة، بل يتطلب ذلك أيضًا مقاربات سياسية جديدة. وتطرح تساؤلًا بشأن إمكان أن تفتح ترتيبات الطاقة الجديدة المجال أمام رؤى تتلاءم مع مبادئ الحوكمة الوطنية.




