مقالات لقاءات

من غسان كنفاني إلى السابع من أكتوبر كتب د. محمد موسى

د محمد موسى الباحث الاقتصادي والسياسي والاستاذ الجامعي كتب  :

حين كتب محمود درويش قصيدته الشهيرة «كم كنت وحدك يا أخي» في رثاء صديقه الأديب والمناضل غسان كنفاني عام 1972، لم يكن يرثي شخصًا فحسب، بل كان يرثي حالة الوعي الفلسطيني بأكملها، ويرثي جيلًا من المقاومين والمثقفين الذين عاشوا غربتهم داخل وطن مفقود وفي عالم لا يسمع سوى صداه. في تلك القصيدة، يتكثّف الوجع الجمعي الفلسطيني في جملة واحدة تتكرر كجرس حزين: «كم كنتَ وحدك يا أخي». إنها ليست فقط مرثية لصديق اغتيل، بل لوجودٍ بأكمله وُئد في لحظةٍ كان فيها الأمل مشتبكًا بالخذلان و هذا حال غزة و أغلب فلسطينوا الشتات، و لا زال الحلم محاصرًا بالموت، والمقاومة محاطة بالعزلة للأسف بعيدأ عن المستفيدين والوصوليين والمستغليين.

لقد كان غسان كنفاني يمثل فلسطين المثقفة التي حملت البندقية بالكلمة، ثم دفعت الثمن بالعزلة والاغتيال. أما درويش، فكان يرى في رحيله رمزًا لفكرةٍ تتكرر: أن الفلسطيني حين يقاوم، يُترك وحيدًا، وحين يُقتل، يُبكى عليه وحيدًا أيضًا. هذه الوحدة لم تكن اختيارًا، بل قدرًا فرضته خيانةُ العالم وصمتُ الإخوة، فصار الفلسطيني يولد وحيدًا ويموت وحيدًا في دورةٍ لا تنكسر، وبعد أكثر من نصف قرن، جاء السابع من أكتوبر 2023 ليعيد إلى الذاكرة تلك الوحدة نفسها، ولكن على نطاقٍ أشد قسوة واتساعًا. في ذلك اليوم، انكشفت مرةً أخرى الهوة بين الدم الفلسطيني وبين الموقف العربي والعالمي، وعاد المشهد ذاته الذي صاغه درويش بلغة الشعر، ليتجسّد بلغة النار والدمار. الفلسطيني الذي كُتب عليه القتال عن كرامته، وجد نفسه يواجه العالم منفردًا، تحت القصف، محاصرًا في المعنى والمكان والضمير. وتمامًا كما كان غسان كنفاني يواجه العالم بقلمه، واجهت غزة العالم بجسدها، فكانت وحدها في الميدان، بينما العالم ينظر إليها كما نظر من قبل إلى كنفاني: بإعجابٍ صامتٍ أو تواطؤٍ بارد.


إن ما يربط بين قصيدة درويش وأحداث السابع من أكتوبر ليس الزمان ولا الحدث، بل الثابت الفلسطيني في تجربة الخذلان. فالخذلان هنا ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل حالة وجودية تتكرر عبر الأجيال. الفلسطيني يعيشها منذ أن كُتب عليه أن يكون “ابن أكثر من أب”، كما قال درويش، أي ابن الأمة والعروبة والتاريخ، لكنه حين يحتاجهم، لا يجد أحدًا. في تلك المفارقة تنشأ وحدة الفلسطيني الأبدية، التي لا يشبهها إلا حضورُه بعد غيابه، كما قال الشاعر في رثائه الخالد،


لقد كشف السابع من أكتوبر أن القصيدة التي كُتبت قبل نصف قرن لم تفقد صلاحيتها، لأن التاريخ الفلسطيني لم يتغير، بل يعيد نفسه بأشكال جديدة. ما زال الموت في المهرجان، وما زال الحلم في السجن الطويل، وما زالت غزة وحدها، كما كان غسان وحده، تواجه القدر المزدوج للبطولة والعزلة. وبينما تغيّر العالم في لغته وتقنياته وأقنعته، بقي الفلسطيني هو الاستثناء الوحيد الذي لم يُسمح له أن يتغيّر. هو ذاته الذي يُقتل مرتين: مرة بصاروخ، ومرة بالصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى